أزمة أسعار النفط... شبح مخيف أم سحابة صيف عابرة؟

أعلنت المملكة العربية السعودية الاثنين عن موازنتها العامة للدولة لعام 2016 مع عدد من الإصلاحات الاقتصادية الشاملة بهدف تقوية وضع المالية العامة، وتضمنت هذه الإجراءات مراجعة الدعم الحكومي للمشتقات النفطية، والكهرباء، والمياه، مع مراعاة التدرج في التنفيذ خلال 5 سنوات وبناء على ذلك قررت الرياض رفع أسعار البنزين والديزل بدءاً من يوم الثلاثاء الماضي.

 وعلى الرغم من أن موقعنا لا يتطرق عادة إلى الاقتصاد، إلا أن الارتباط الوثيق بين أزمة انخفاض أسعار النفط من جهة وأسعار وقود السيارات من جهة أخرى دفعنا لنعرف أكثر عن أزمة هبوط أسعار البترول المسببة لهذه القرارات الجديدة ومحاولة فهم أسبابها وتداعياتها المختلفة.

لا يخفى على المتابع حالة الترقب التي كانت تعيشها  أسواق النفط والأسواق المحلية والعالمية  في الفترة الماضية  بانتظار صدور الموازنة السعودية لعام 2016 لمعرفة كيف ستواجه المملكة انخفاض أسعار النفط العام المقبل، في ظل توقعات بخفض كبير في الإنفاق الحكومي في مجال دعم أسعار مواد الطاقة،  خاصة وأن سعر الوقود في المملكة كان يعد من الأدنى عالمياً.

حيث شكلت التداعيات التي شهدها سوق النفط العالمي اضطرابًا كبيرًا لدول الخليج، التي يُمثل البترول الجزء الأكبر من صادراتها، ومصدر الدخل الأساسى لموازناتها، حتى بلغ عجز موازنتها هذا العام مستويات غير مسبوقة، وخصوصًا المملكة العربية السعودية التي بلغ تخطى عجز موازنتها لعام 2016  326  مليار ريال.

ودفعت أزمة استمرار هبوط أسعار النفط العالمية بقية الحكومات الخليجية إلى اعتماد خطط وإجراءات إصلاحية، لاسيما مع توقعات  الخبراء بأن تزيد أزمة أسعار النفط الحالية من العجز في اقتصاديات دول الخليج ، كما جاء في تقرير صندوق النقد الدولي الذي صدر مؤخراً، والذي أشار إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي قد تسجل عجزاً بالموازنات العامة قدره 750 مليار دولار بين عامي 2015 و2020 في حال استمرار انخفاض أسعار النفط بالمعدل الحالي.

وهو  ما فرض على حكومات تلك الدول إيجاد حلول مبتكرة، فبدأت دول الخليج في إجراءات تقشف تشمل الحد من النفقات، وخفض الدعم على المشتقات النفطية في خطوات لا نتوقع أن تلقى الترحيب من المواطنين ولكن يرى المحللون أنها غير كافية!

تداعيات الأزمة على باقي دول الخليج

فعلى سبيل المثال بادرت الإمارات إلى تطبيق خطوات إصلاحية في يونيو 2015 عبر تحرير أسعار الوقود، ورفع تعرفة الكهرباء في أبوظبي، في ما يتوقع أن يوفر 100 مليار من الدولارات.

ومنذ مطلع 2015 ورفعت الكويت الدعم عن أسعار الديزل والكيروسين ، وخفضت الإنفاق بنسبة 17%، وتبحث الحكومة الآن خطة جديدة لرفع الدعم وزيادة أسعار الوقود وسعر المياه والكهرباء، كما بدأت الكويت وقطر في استثمار مليارات الدولارت في مشاريع خارج حدودهما.

وفي المقابل تعتبر سلطنة عمان والبحرين من أقل الدول الخليجية تأثراً بالأزمة، حيث أن الأولى ليست مبالغة في الإنفاق، والثانية قررت منذ سنوات عديدة التحول لسوق مالي مفتوح، فيما أعلنت البحرين أيضاً عن خفض الدعم الحكومي عن مادتي الديزل والكيروسين ابتداء من الشهر المقبل.، ويرى بعض المحللين الاقتصاديين أن الدول الخليجية  قد تلجأ في نهاية المطاف إلى تخفيض العملة باعتباره آخر الحلول.

انخفاض الأسعار وأسبابه

بعد انخفاض سعر برميل خام برنت من قرابة ١١٠ دولارات في مطلع ٢٠١٤ ليصل إلى ما دون ٥٠ دولارًا بنهاية العام الحالي، بدأت تتكشف تداعيات الأزمة وبدأ الحديث في الأسواق عن المالية عن احتمال تدهور الأسعار.

حيث تراجعت مؤخراً العقود الآجلة لخام برنت عن 39 دولار للمرة الأولى منذ عام 2008، فيما أعرب عدد من مدراء الشركات العاملة في قطاع النفط أن الربع المقبل سيكون صعباً ، وقالوا أن وصول البرميل إلى ما دون حاجز الـ 20 دولار ليس مستحيلاً ، وإن كان أمراً مستبعداً.

وفي المقابل لم يصل أعضاء منظمة الدول المصدرة للنفط إلى اتفاق على حد أقصى لإنتاج النفط بعد أن قالت إيران أنها لا تفكر في الحد من إنتاجها حتى تسترد مستويات إنتاجها الذي تقلص خلال السنوات الماضية بفعل العقوبات الغربية، وحالياً يتجاوز الإنتاج العالمي الطلب بما يتراوح بين نصف مليون ومليوني برميل يومياً ما أدى إلى انخفاض الأسعار بمقدار 25% منذ بداية العام ، وأكثر من 60% مقارنة بمنتصف عام 2014.

وبالإضافة إلى النفط الإيراني، يعزو مراقبون أسباب انخفاض أسعار النفط إلى عدة أسباب منها على سبيل المثال لا الحصر الأحداث السياسية في المنطقة وظهور النفط الصخري، إلى جانب ما يشهده قطاع الطاقة في أمريكا الشمالية من طفرة حقيقية ؛ حيث ارتفع إنتاج الولايات المتحدة من النفط إلى 9.08 مليون برميل يومياً - ليسجل بذلك أعلى مستوى له منذ أكثر من ثلاثين عاماً، ويتفوق حتى على السعودية، العضو الأبرز في «أوبك»، كأكبر منتج للسوائل النفطية، وفقاً لبيانات وكالة الطاقة الدولية.، وأسهمت هذه الطفرة في زيادة إمدادات النفط العالمي.

كما زادت الضغوط على أسعار النفط الخام في الفترة الحالية بسبب الطقس المعتدل في الولايات المتحدة الأمريكية وتأخر الشتاء ، ما قلص من الطلب على وقود التدفئة.

 هذا بالإضافة إلى تباطؤ النمو في الأسواق الناشئة في أوروبا والصين، حيث تعتبر الصين ثاني أكبر مستورد للنفط بعد الولايات المتحدة الأمريكية ، وتفوق وارداتها 6 ملايين برميل يومياً معظمها من خامات المنطقة العربية، ومع انكماش قطاع الصناعات التحويلية الصيني بوتيرة هي الأسرع منذ قرابة 6 سنوات، انخفض الطلب النفطي واستأنفت الأسعار نزولها في التعاملات الآسيوية.

 يضاف إلى ذلك أن التطورات التكنولوجية والمبتكرات الجديدة في قطاع صناعة السيارات ساهمت إلى درجة كبيرة في تخفيض استهلاك الوقود، حيث أصبحت السيارات الحديثة أكثر قدرة على توفير الطاقة، إلى جانب انتشار السيارات الكهربائية والهجينة على نحو واسع.

ولكن وعلى الرغم من أن معظم التوقعات تشير إلى المزيد من الانخفاض بسبب ما يُسمى بحالة  "الفزع" ، إلا أن بعض التحليلات المالية المتفائلة ترى أن  ثبات الاسعار عند نقطة معينة 25 دولار مثلاً ، قد يدعم الانفراج الايجابي للأزمة لتعاود أسعار النفط الارتفاع مجدداً ربما إلى ما يقارب مستوياتها السابقة، كما أن الصورة قد تختلف كليا اذا قرر المنتجون تغيير استراتيجيتهم في التعامل مع اسواق النفط.

كُتب بكيبورد: الحربي